أكدت محكمة النقض في حكم حديث لها مبدأً قضائيًا مهمًا يتعلق بسلطة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة، مفاده أن الأدلة في المواد الجنائية تخضع لاقتناع القاضي، وأن للمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي، ولو كان مستندًا إلى أوراق رسمية، متى رأت في حدود سلطتها التقديرية أنه غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من باقي أدلة الدعوى.
اطلع علي الحكم من هنا
وجاء ذلك في الحكم الصادر بجلسة 9 مارس 2026، في الطعن رقم 23983 لسنة 95 قضائية، بشأن إدانة طاعن بجريمة تعمد إزعاج ومضايقة المجني عليها بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، على خلفية نشر عبارات عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، رأت المحكمة أنها تضمنت إساءة وتشهيرًا ترتب عليهما أضرار مادية وأدبية.
وكان الطاعن قد دفع أمام المحكمة بانتفاء أركان الجريمة، وتمسك بأن العبارات محل الاتهام لا تعدو أن تكون نقدًا عامًا لأعمال أدبية وفكرية وتعبيرًا عن الرأي، كما استند إلى مستندات قدمها نفيًا للاتهام، فضلًا عن منازعته في تقرير الفحص الفني وفي توافر صفة المدعية بالحقوق المدنية.
إلا أن محكمة النقض أوضحت أن نفي التهمة من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تستوجب ردًا خاصًا من المحكمة، متى كان الرد عليها مستفادًا ضمنًا من أدلة الثبوت التي أوردها الحكم. كما قررت أن لمحكمة الموضوع الحرية الكاملة في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير، شأنه شأن باقي الأدلة، متى اطمأنت إليه وأقامت قضاءها على أسباب سائغة.
وشددت المحكمة على أن تقدير الأدلة في المواد الجنائية يقوم على الاقتناع القضائي، وأنه يكفي أن تقيم المحكمة قضاءها على أدلة تؤدي عقلاً إلى النتيجة التي انتهت إليها، دون أن تكون ملزمة بتتبع المتهم في كل جزئية من جزئيات دفاعه أو الرد استقلالًا على كل مستند يقدمه، ما دام الحكم قد بيّن الواقعة المستوجبة للعقوبة وأورد أدلة سائغة تكفي لحمل قضائه.
وانتهت محكمة النقض إلى رفض الطعن موضوعًا، مؤكدة أن ما أثاره الطاعن لا يعدو أن يكون جدلًا موضوعيًا في تقدير الدليل، وهو ما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز إثارته أمام محكمة النقض متى كان الحكم قد جاء مستوفيًا لأركانه القانونية وخاليًا من القصور أو التناقض المؤثر.
ويكتسب هذا الحكم أهمية خاصة في منازعات النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يرسخ مبدأ أن حرية التعبير لا تعني إطلاق العبارات التي تمس الآخرين أو تنال من سمعتهم واعتبارهم، كما يؤكد أن المستندات الرسمية المقدمة نفيًا للاتهام لا تكفي بذاتها لهدم عقيدة المحكمة متى اطمأنت إلى أدلة أخرى سائغة في الدعوى.

